Shopping cart

Subtotal:$4398.00

View cartCheckout

shape
shape

المحاضرات:

محاضرات مكتوبة:

ظاهرة الحذف.. دراسات نحوية ماجستير د أيوب جرجيس العطية

……………………………………………………………………………….

الحذف ظاهرة لغوية تشترك فيها اللغات الإنسانية، لكنها في اللغة العربية أكثر ثباتًا ووضوحًا؛ لأن اللغة العربية من خصائصها الأصيلة الميل إلى الإيجاز والاختصار، والحذف يعد أحد نوعي الإيجاز وهما: القصر والحذف، وقد نفرت العرب مما هو ثقيل في لسانها، ومالت إلى ما هو خفيف.


تعريف الحذف:

الحذف في اللغة: القطع والإسقاط؛ جاء في الصحاح: “حَذْفُ الشيءِ: إسقاطُه. يقال: حَذَفْتُ من شَعْري ومن ذَنَبِ الدابَة، أي أخذت… وحَذَفْتُ رأسَه بالسيف، إذا ضربته فقطعتَ منه قطعةً”[1]. وفي لسان العرب: “حذَفَ الشيءَ يَحْذِفُه حَذْفاً قَطَعَه من طَرَفه والحَجَّامُ يَحْذِفُ الشعْر من ذلك… والحَذْفُ الرَّمْيُ عن جانِبٍ والضرْبُ”[2].

ويذكر البلاغيون ضرورة تقدير المحذوف؛ حتى لا يُحمل الكلام على ظاهره، وحتى يكون امتناع ترك الكلام على ظاهره ولزوم الحكم بالحذف راجع إلى الكلام نفسه، لا إلى غرض المتكلم[9].


قال عبدالقاهر الجرجاني[10]: “هو باب دقيق المسلك لطيف المأخذ، عجيب الأمر شبيه بالسحر؛  فإنك ترى به ترك الذكر أفصح من الذكر، والصمت عن الإفادة أزيد للإفادة،  وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق، وأتم ما تكون بيانا إذا لم تبن”[11].

لقد عني القدماء – من نحاة وبلاغيين – بدراسة هذه الظاهرة، لكن بعضهم خلط بين الحذف والإضمار؛ ولذلك قال أبو حيان[3]: “وهو موجود في اصطلاح النحويين، أعني أن يسمى الحذفُ إضماراً”[4].


وقال الشهاب الخفاجي[5] في حاشيته على تفسير البيضاوي[6]: “وقد يستعمل كلٌّ منهما بمعنى الآخر كما يعلم بالاستقراء”.

الحذف والإضمار


لكن بعضهم تنبه إلى ضرورة التفريق بين الحذف والإضمار؛ ومن ذلك الفارسي حيث يقول: “وقد يحذف حرفُ الجر، فيصل الفعلُ إلى الاسم المحلوف به وذلك نحو: اللهَ لأفعلنَّ، وربما أُضمِر حرفُ الجر، فقيل: اللهِ لأفعلنَّ”.

بل ونجد ابن مضاء القرطبي[7] ينتقد هذا الخلط بين المصطلحين واستعمالهما بمعنى واحد، ويفرق بينهما قائلاً:

 “الفاعل يضمر ولا يحذف”[8]، وذلك حيثما أمكن تقديره بضمير مستتر فهم يقصدون بالمضمر ما لا بد منه، وبالمحذوف ما يمكن الاستغناء عنه.

الحذف وجوبا:

الحذف جوازا:


أسباب الحذف: 

هي أسباب حاول بها النُّحاة تفسير الظاهرة في مواضعها وأنواعها المختلفة، وبعض هذه الأسباب قد لا يطَّرد في كل موضع، وبعضها يعلل الحذف لأكثر من سبب، ومواضع أخرى لا يُعَلَّلُ الحذف إلا بسببٍ واحد، ومن أسباب الحذف:


1- كثرة الاستعمال:

هذا التعليل كثير عند النحاة، وهو أكثر الأسباب التي يفسرون بها الظاهرة، ومن أمثلة ذلك: حذف خبر لا النافية للجنس كثيرًا لا ريب، لا شك، لا مفر، لاسيما. ومثل: لا إله إلا الله، ومثل الأقوال التي كثر استعمالها؛ كقولنا: الجار قبل الدار. أي: تخير الجار قبل الدار. وقولنا: بسم الله. أي: بدأت بسم الله.


2- طول الكلام:

وذلك عندما تطول التراكيب؛ فيقع الحذف تخفيفًا من الثقل؛ كجملة الصلة التي طالت، وأسلوب الشرط، وأسلوب القسم؛ ومن ذلك قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [يس: 45]، فالجواب لم يُذكر، وتقديره: “أعرضوا”؛ بدليل سياق الآية التالية لها.

وقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآَنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى} [الرعد: 31]، التقدير: لكان هذا القرآن.


3- الضرورة الشعرية: ومن أهم الضرائر الشعرية القائمة على الحذف:

أ- حذف حرف متحرك أو أكثر من آخر الكلمة: 

مثل قول لبيد: دَرَسَ المَنَا بمُتَالِعٍ فأَبانا

الأصل: المَنَازل. 

ب- حذف نون المثنى وجمع المذكر السالم؛ ومن ذلك قول امرئ القيس: 

لها  مَتْنَتَانِ  خَظَاتا   كَمَا        أَكَبَّ عَلَى ساعِدَيْهِ النَّمِرْ

الأصل: خَظَاتان. 

ج- حذف النون الساكنة أو التنوين من آخر الكلمة؛ ومن ذلك قول العباس بن مرداس السلمي: 

فما كان حِصْنٌ ولا حَابِسٌ        يَفُوقانِ مِرْدَاسَ  في  مَجْمَعِ

الأصل: مرداسًا. 

د- حذف حرف المد أو ما يشبهه من آخر الكلمة؛ ومن ذلك قول الأعشى: 

وأَخُو الغَوَانِ متى يَشأْ يَصْرِمْنَهُ        ويَعُدْنَ   أَعْداءً   بُعَيْدَ   ودادِ

الأصل: الغَوَانِي. 

هـ- حذف إشباع الحركة أو حذف الحركة؛ ومن ذلك قول مالك بن خريم الهمداني:

فإِنْ يَكُ غَثَّاً أَوْ سَميناً فإنني        سأَجْعَلُ عِينيهِ لِنَفْسِهِ  مَقْنَعَا

الأصل إشباع الهاء في كلمة نفسه. 

و- حذف حرف أو حركة من داخل الكلمة؛ ومن ذلك قول ابنُ الزِّبَعرَى: 

حينَ   ألْقَتْ   بقُباءٍ   بَرْكَها        واسْتَحَرَّ القَتْلُ في عَبدِ الأشَلْ

يريد: عبد الأشهل. 

ز- الاجتزاء؛ وهو حذف معظم الكلمة؛ ومن ذلك قول حكيم بن معية التميمي: 

بالخَيْرِ خَيْراتٍ وإِنْ شَرًّا فَ        ولا أُرِيدُ الشرَّ  إِلا  أَنْ  تَ

أي: إن شرًّا فَشر، ولا أريد الشر إلا أن تشاء.

ح- حذف حرف من أحرف المعاني؛ ومن ذلك قول حسّان بن ثابت:

مَنْ يَفْعَلِ الحَسَناتِ اللهُ يشكرُها        والشَّرُّ  بالشرِّ  عندَ  الله  مِثْلانِ

أي فالله يشكرها، حذفت الفاء الواجب اقترانها بجواب الشرط؛ حيث إن جواب الشرط جملة اسمية. 


4- الحذف للإعراب:

مثل الحذف في حالة الجزم ومن ذلك حذف الحركة نحو: (لم أكتبْ). وحذف الحرف؛ مثل حذف النون من الأفعال الخمسة عند النصب أو الجزم نحو: (لم يلعبوا). وحذف لام الفعل الناقص في حالة الجزم؛ نحو قوله تعالى: {وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ} [القصص:88]. 


5- الحذف للتركيب:

فنجد حذف التنوين في التركيب الإضافي؛ نحو: (شاهدت طالبَ العلم) بدلاً من (طالبًا)، أو حذف النون؛ نحو: (مسلمو الهند متعاونون) بدلاً من (مسلمون). 


6- الحذف لأسباب قياسية صرفية أو صوتية؛ وهي:

أ- التقاء الساكنين: 

إذا التقى ساكنان في كلمة واحدة أو كلمتين، وجب التخلص من التقائهما بحذف أولهما أو تحريكه؛ ومن ذلك حذف لام الفعل الناقص عند الاتصال بواو الجماعة مثل: يسعون، وحذف عين الفعل الأجوف في حالة جزمه مثل: (لم يَصُمْ).  


ب- توالي الأمثال: 

ومن مظاهره: التقاء نون الرفع من الأفعال الخمسة مع نون التوكيد؛ حيث تحذف نون الرفع وتبقى نون التوكيد. 


ج- حذف حروف العلة استثقالاً: 

الفعل المثال الذي فاؤه واو تحذف في المضارع استثقالاً؛ نحو: (وقف – يقف) (وعد – يعد)، بدلاً من (يَوْقَفُ) و (يَوْعَدُ). 


د- حذف الهمزة استثقالاً: 

مثل همزة الفعل (رأى) تحذف في المضارع فيقال: (يرى) بدلاً من (يرأى). 


هـ- الحذف للوقف: 

ويكون في النطق لا الكتابة؛ مثل حذف الضمة والكسرة المنونتين عند الوقوف؛ نحو: (هذا زيد) و(مررت بزيد)؛ فننطق بالدال من كلمة (زيد) ساكنة. 


و- صيغ الجمع: 

فتحذف تاء التأنيث في الجمع بالألف والتاء؛ فنقول: (ورقات، عائلات، سرقات)، جمعًا لـ (ورقة، عائلة، سرقة).  


ز- صيغ التصغير: 

إذا صغرت (السَّفَرْجلة) كانت لك أوجه أحدها أن تقول (سُفَيْرِجَة) فتحذف اللام في التصغير وإن شئت قلتَ (سُفَيْرِلة) فتحذف الجيمَ[12].

وكذلك (عَنْدَلِيب) تصغر على (عَنَادِل) و (عَنَادِب).


ح- الحذف للنسب:

مثل حذف تاء التأنيث؛ فنقول في النسب إلى فاطمة: (فاطميّ)، وحذف بعض الحروف مثل (جُهَنِيّ) في النسب إلى جهينة، وحذف عجز الجملة المنسوب إليها وحذف عجز المركب المزجي، فتقول في تأبط شرًّا: “تأبطيّ”، وفي بعلبك “بعليّ”.

أما المركب الإضافي، فإن كان صدره ابنا، أو كان معرفًا بعجزه، حُذِف صدره، وألحق عجزه ياء النسب، فتقول في ابن الزبير: “زبيريّ” وفي أبى بكر: ” بكرىّ”.


ط – الحذف للترخيم:

والترخيم حذفُ أواخر الأسماء المفرد تخفيفاً، من خصائص المنادى لا يجوز في غيره إلا لضرورة الشعر؛ كقولنا (يا سُعَا) في ترخيم (سُعَاد)[13]


7- الحذف لأسباب قياسية تركيبة:

أي في التركيب النحوي؛ حيث تُحذف كلمة أو جملة أو أكثر، ولابد من دليل حالي أو مقالي يدل على المحذوف؛ مثل حذف المبتدأ، وحذف الخبر،،، وغير ذلك.

ومن ذلك قولنا: (لولا الله ما اهتدينا)، التقدير: (لولا الله موجود ما اهتدينا)، وقولنا: (في البيت). لمن يسأل: (أين زيد؟).


والحذف لابد له من قرينة مُصاحِبة تَدُلُّ على المحذوف، وتكون هذه القرينة حالية أو عقلية أو لفظية، وقد وضع النُّحاة مجموعة من الشروط للحذف هي:

1- وجود الدليل على المحذوف إن كان المحذوف عمدة، أما إن كان فضلة فالشرط أن لا يكون في حذفه ضرر.

2- ألا يكون المحذوف كالجزء؛ فلا يحذف الفاعل، ولا نائبه ولا ما يشبهه.

3- ألا يكون مؤكَّدًا، فلا يُحذف العائد في نحو قولك: الذي رأيته نفسَه زيد.

4- ألا يكون عوضًا عن شيء محذوف؛ فلا تحذف (ما) في أما أنت منطلقاً ولا التاء من نحو : (عِدَةٌ وزِنَةٌ).

5- ألا يكون المحذوف عاملاً ضعيفًا؛ فلا يُحذف الجار والجازم والناصب للفعل، إلا في مواضع قويت فيها الدلالة، وكثر استعمالها ولا يمكن القياس عليها.

6- ألا يؤدي الحذف إلى اختصار المختصر؛ فلا يُحذف اسم الفعل دون معموله؛ لأنه اختصار للفعل.

7- ألا يؤدي الحذف إلى تهيئة العامل للعمل وقطعه عنه؛ فلا يحذف المفعول – وهو الهاء – من ضربني وضربته زيد؛ لئلا يتسلط على زيد ثم يقطع عنه برفعه للفعل الأول.

8- ألا يؤدي الحذف إلى إعمال العامل الضعيف مع إمكان إعمال العامل القوي؛ فلا يحذف الضمير في: زيد ضربته؛ لأنه يؤدي إلى إعمال المبتدأ وإهمال الفعل مع أنه أقوى.


أما أغراض الحذف: فنقصد بها الأهداف المقصودة للناطقين عندما يحذفون، فما ذكرناه من أسباب هو العِلل الظاهرة التي يقع الحذف عند وجودها.. أما الأغراض فنعني بها الأهداف البعيدة التي يقصدها الناطق حين يجنح إلى الحذف.


وكما أن أسباب الحذف عني بذكرها وتفصيل القول فيها النحاة، نجد أن الأغراض تعرض لها البلاغيون، وفَصَّلُوا القول فيها؛ فابن هشام[14] – مثلا – يرى أن الأغراض يتناولها البيانيون والمفسرون، وأنها ليست من عمل النحاة[15]، وأغراض الحذف هي: 


1- التخفيف:

كثير من الأسباب الظاهرة للحذف غرضُها التخفيف، فكثرة الاستعمال تستلزم الحذف؛ رغبةً في التخفيف؛ كالتقاء الساكنين، لصعوبة النطق بهما، وأيضًا نجد التخفيف في نزع الخافض، وحذف الهمزة، وتوالي الأمثال.

يقول سيبويه[16]: “وقولهم ليس أحد أي ليس هنا أحد، فكل ذلك حُذِف تخفيفًا واستغناءً بعلم المخاطَب بما يعني”[17].


2- الإيجاز واختصار الكلام:

كثير من أنواع الحذف ناتجة عن رغبة المتكلم في الاختصار والإيجاز؛ فعند بناء الفعل للمجهول يُحذف الفاعل، ويذكر البلاغيون أغراضًا متعددة لذلك، منها الاختصار والإيجاز، ومن أمثلة ذلك ما يقع في القصص القرآني من حذف ما تدل عليه القرائن ويدل السياق عليه، ومن ذلك قوله تعالى: {… أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ * يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا…} [يوسف: 45، 46]. فالتقدير: فأرسلوه فذهب إليه وقال له.


3- الاتساع:

وهو نوع من الحذف للإيجاز والاختصار، لكنه ينتج عنه نوع من المجاز بسبب نقل الكلمة من حكم كان لها إلى حكم ليس بحقيقة فيها، ومثال ذلك حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه كما في قوله تعالى: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى} أي: بر من اتقى.

ويسميه البعض التوسع، يرى سيبويه أن الحذف للتوسع في اللغة أكثر من أن يحصى[18].


4- التفخيم والإعظام لما فيه من الإبهام:

مثل قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} [الزمر: 73]، الجواب حُذِف؛ لأن وصف ما يجدونه لا يَتَنَاهى؛ فحُذِف تفخيمًا وإعظامًا له؛ حيث إن الكلام يضيق عن وصفه.


5- صيانة المحذوف عن الذكر في مقام معين تشريفا له:

ومن ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ اُبْتُلِيَ مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ بِشَيء، فَلْيَسْتَتِرْ بِسَتْرِ اللهِ))[19]، فالفعل ابتلي أسند إلى نائب الفاعل وحذف فاعله، وهو لفظ الجلالة صيانةً له عن ذكره في ذلك المقام، الذي سمى فيه الذنوب باسم (القاذورات).


6- تحقير شأن المحذوف:

ونجد ذلك في كتب السِّيَر، عندما يؤذى عُظَماء الإسلام، يُقال أوذي فُلان؛ ومن ذلك قوله تعالى {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} فلم يذكر المبتدأ تحقيرًا لشأنهم.


7- قصد البيان بعد الإبهام:

ويرى البلاغيون أن ذلك يتحقق في فعل المشيئة إذا وقع شرطًا كما في قوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَهَدَاكُم أَجْمَعِينَ}؛ فمفعول فعل المشيئة محذوف تقديره: ولو شاء الله هدايتكُم لهداكُم. وسر حذفه هو البيان بعد الإبهام؛ لأنه لما قيل لو شاء علم أن هناك شيئًا تعلقت به المشيئة لكنه مبهم، فلما جيء بجواب الشرط وضح ذلك الشيء وعلم أنه الهداية وإذن فكل من الشرط والجواب دال على المفعول غير أن الشرط دال عليه إجمالاً والجواب دال عليه تفصيلاً.

والبيان بعد الإبهام، أو التفصيل بعد الإجمال أوقع في النفس؛ لأن السامع لا يظفر بمعرفة المحذوف إلا بعد تطلع ولهفة.


8- قصد الإبهام:

لا يتعلق مراد المتكلم بتعيين المحذوف؛ فيَتَعَمَّد الحذف حتى لا ينصرف ذهن المستمع له، لأن ذكره لا يؤثر في الكلام أو الحكم، ومن ذلك قوله تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُم}، فالمهم حدث الإحصار نفسه ولا يهم ذكر فاعله، بل إن ذكره قد يشغل المستمع عن الحدث وهو الأساس هنا، وربما يظن المستمع أن الحكم خاص به بالفاعل إذا ذكر، وقوله: {إِذَا حُيِّيتُم}، فلا يهم فاعل التحية المهم حدث التحية نفسه، وقوله: {إِذَا قِيلَ لَكُم تَفَسَّحُوا}، لا يهم من القائل وذكره يشغل القارئ وربما يظن أن الحكم خاص به.


9- الجهل بالمحذوف:

ومن ذلك قولنا: (قُتِل فُلان)، و(سرقت الدار)، عندما لا نعرف القاتل والسارق.


10- العلم الواضح بالمحذوف:

مثل قوله تعالى {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} و{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ}؛ بُني الفعلان (أُعِدَّتْ) و(كُتِبَ) للمجهول للعلم بالفاعل وهو الله عز وجل، {عَالِمُ الْغَيْبِ} المبتدأ محذوف للعلم به، والتقدير: الله عالم الغيب.


وقول الشاعر:

فَإِذَا رُزِقْتَ خَلِيْقَةً  مَحْمُودَةً        فَقَدِ اصْطَفَاكَ مُقَسِّمُ الأَرْزَاقِ

أسند الفعل رزقت إلى نائب الفاعل؛ فالرازق هو الله عز وجل، ولا داعي لذكره؛ لأنه معوم للمستمع، ولن ينصرف الذهن إلى غيره.


11- الخوف منه أو عليه:

قد يحذف الفاعل ويُبنى الفعل للمجهول حين يَخشى المُتكلِّم أن يناله أذى من الفاعل، وحين يخشى على الفاعل من الأذى.


12- الإشعار باللهفة وأن الزمن يتقاصر عن ذكر المحذوف:

وهذا غرض لباب الإغراء والتحذير نحو قوله تعالى: {نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا}، والتقدير: ذروا ناقة الله والزموا سقياها.


13- رعاية الفاصلة والمحافظة على السجع:

وهو غرض لفظي؛ حيث تحذف حرف أو أكثر لمراعاة الفاصلة؛ مثل قوله تعالى: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى}، فمفعول الفعل قلى وهو ضمير المخاطب صلى الله عليه وسلم، محذوف لرعاية الفاصلة والتوافق الصوتي مع أواخر الآيات قبلها وبعدها.

ومن براعة الإعجاز البلاغي في القرآن أننا نجد الحذف هنا يحقق – إلى جانب ذلك – غرضًا معنويًّا، فالآية تنفي التوديع والقلي أي الهجر والبغض، فالله عز وجل يطمئن نبيه بعد فترة انقطاع الوحي أنه لم يهجره أو يبغضه كما زعم ذلك أعداؤه من الكفار حين حدثت تلك الفترة.

ولما كان هناك فارق دلالي بين الهجر والبغض، (إذ الهجر لا يكون إلا للحبيب أما البغض فهو للخصوم والأعداء) جاءت الآية الكريمة مراعية ذلك حيث ذكرت ضميره – صلى الله عليه وسلم – في جانب نفي الهجر (ما ودعك) ولم تذكره في جانب نفي البغض (وما قلى) إعلاءً لشأنه عليه السلام أن يذكر ضميره في جانب المقت والكره حتى لو كان هذا الجانب منفيًّا.


14- المحافظة على الوزن في الشعر:

وهو – أيضا – غرض لفظي مثل قول ضابِئ بن الحارِث البُرْجُمِيّ:

ومَنْ يَكُ أمْسَى في المَدِينةِ رَحْلُهُ        فإنِّي،   وقَيَّارٌ،    بِها    لَغَرِيبُ

أي: فإني لغريب وقيار غريب، (وقيَّار اسم لفرس الشاعر)، فحذف المسند إلى قيار حتى لا ينكسر وزن البيت، ويرى البلاغيون أن في ذلك الحذف فائدة معنوية؛ حيث إن الموقف هنا موقف شكوى وتحسر؛ فكان مناسبًا له الحذف والاختصار لا الذكر والتطويل.

لكننا نجد فائدة أخرى: فالشاعر هنا يتحسر على مقامه بالمدينة بعيدًا عن الأهل والوطن، فهو ينظر حوله فيجد الناس جميعًا هانئين بالمقام سعداء باجتماع الشمل أما هو فقد اشتدت به تباريح النوى والتهب وجدانه بالشعور بالغربة وأحس بأنه ليس ثمة من يشاركه شعوره أو يحس بمثل إحساسه سوى هذا الحيوان الأعجم (قَيَّار) الذي ابتلي بالغربة معه والمقام في غير داره، فحذف المسند (غريب) هنا للإيحاء بتوحد الإحساس والمشاركة الوجدانية التي يتخيلها الشاعر بينه وبين فرسه، فليست هنا غربة للشاعر وغربة لفرسه، ولكنها غربة واحدة عانيا مرارتها معًا فوحدت بينهما في الشعور والشكوى والألم.


وينقسم الحذف إلى نوعين رئيسين: أولهما يتصل بالصيغ، والنوع الآخر يتصل بالتراكيب.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] الصحاح في اللغة 1 / 120. 

[2] لسان العرب: 9 / 40. 

[3] أبو حيّان الأندلسي (654 – 745هـ، 1256 – 1344م)، محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيّان، الإمام أثير الدين الأندلسي الغرناطي، نحويّ عصره ولغويّه ومفسّره ومحدّثه ومقرؤه ومؤرخه وأديبه، ولد في حاضرة غرناطة. وأخذ القراءات عن أبي جعفر بن الطباع، والعربية عن أبي الحسن الأبذي وجماعة. وتقدم في النحو، وأقرأ في حياة شيوخه بالمغرب، وسمع الحديث بالأندلس وأفريقية والإسكندرية ومصر والحجاز من نحو خمسين وأربعمائة شيخ، من تصانيفه: “البحر المحيط” في التفسير، ومختصره “النهر”؛ و”التذييل والتكميل في شرح التسهيل”، و”ارتشاف الضَّرَب”، وتُعَدّ هذه الكتب من أجمع الكتب وأحصاها في موضوعاتها. 

[4] انظر البحر المحيط: 1/ 643.

[5] الشهاب الخفاجي (977 – 1069 هـ = 1569 – 1659 م)، أحمد بن محمد بن عمر، شهاب الدين الخفاجي المصري: قاضي القضاة وصاحب التصانيف في الأدب واللغة، ولد ونشأ بمصر، ورحل إلى بلاد الروم، واتصل بالسلطان مراد العثماني فولاه قضاء سلانيك، ثم قضاء مصر، ثم عزل عنها؛ فرحل إلى الشام وحلب وعاد إلى بلاد الروم؛ فنفي إلى مصر وولي قضاء يعيش منه فاستقر إلى أن توفي، من أشهر كتبه “شفاء العليل فيما في كلام العرب من الدخيل” و “شرح درة الغواص في أوهام الخواص للحريري” و “طراز المجالس”. 

[6] حاشيته على تفسير البيضاوي تسمى “عناية القاضي وكفاية الراضي”، وتقع في ثمانية مجلدات. 

[7] ابن مضاء القرطبي (511 – 592 هـ = 1118 – 1196 م)، أحمد بن عبد الرحمن بن محمد، ابن مضاء، ابن عمير اللخمي القرطبي، أبو العباس: عالم بالعربية، له معرفة بالطب والهندسة والحساب، وله شعر، أصله من قرى شذونة Sidona   ومولده بقرطبة، ووُلي القضاء بفاس وبجاية، ثم بمراكش سنة 578 هـ، وتوفي باشبيلية. 

[8] انظر الرد على النحاة:130.

[9] انظر أسرار البلاغة 379/380.

[10] عبدالقاهر الجرجاني (400 – 471هـ، 1010 – 1078م)، أبو بكر عبدالقاهر بن عبدالرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار، وُلِدَ وتوفي في جرجان. تتلمذ على أبي الحسين بن عبدالوارث، ابن أخت أبي علي الفارسي، وكان يحكي عنه كثيرًا، لأنه لم يلق شيخًا مشهورًا في العربية غيره لعدم خروجه من جرجان في طلب العلم. ويُعد عبدالقاهر واحدًا من الذين تفخر بهم الحضارة الإسلامية في مجال الدرس اللغوي والبلاغي، إذ تقف مؤلفاته شامخة حتى اليوم أمام أحدث الدراسات اللغوية، ويُعد كتابه “دلائل الإعجاز” قمة تلك المؤلفات؛ حيث توصل فيه إلى نظريته الشهيرة التي عُرفت باسم نظرية التعليق أو نظرية النظم، التي سبق بها عصره، ومازالت تبهر الباحثين المعاصرين، وتقف ندًّا قويًا لنظريات اللغويين الغربيين في العصر الحديث.

أراد عبدالقاهر بكتابه “دلائل الإعجاز” أن يرد على من كانوا يرجعون إعجاز القرآن إلى الألفاظ، ورفض أن يكون الإعجاز راجعًا إلى المفردات أو حتى معانيها؛ أو جريانها وسهولتها وعذوبتها وعدم ثقلها على الألسنة. كما رفض أن يكون الإعجاز راجعًا إلى الاستعارات أو المجازات أو الفواصل أو الإيجاز، وإنما رد إعجاز القرآن إلى حسن النظم. ومجمل نظريته أنه لا اعتداد بمعاني الكلمات المفردة إن لم تنتظم في سياق تركيبي، وهو ما يعرف بالنحو، فهو يرى أن الدلالة المعجمية معروفة لمعظم أهل اللغة ولكن دلالة اللفظة التي تكتسبها خلال نظمها في سياق تركيبي هي التي يسعى إليها مستخدم اللغة، لاختلاف دلالة اللفظة تبعًا للتركيب النحوي الذي تنتظم فيه، والمواضع المختلفة التي تحتلها في السياقات الناتجة عن أصل سياقي واحد.

تصدر عبدالقاهر مجالس جرجان يفيد الراحلين إليه والوافدين عليه. وقصده طلاب العلم من كُلِّ صوب، ومن تلامذته المشهورين الواردين إلى العراق والمتصدرين ببغداد على بن زيد الفصيحي، وأبوزكريا التبريزي، والإمام أبوعامر الفضل بن إسماعيل التميمي الجرجاني وأبو النصر أحمد بن محمد الشجري.

انتقل إلى عبدالقاهر علم السابقين فتأثر به، وظهر ذلك جليًا في مؤلفاته مثل : “المغني والمقتصد؛ الإيجاز”؛ “التكملة”؛ “التذكرة”؛ “المفتاح”؛ “الجمل”؛ “العوامل المائة”؛ “النحو”؛ “التخليص”؛ “العمدة في التصريف”؛ “كتاب شرح الفاتحة”؛ “إعجاز القرآن الصغير”؛ “إعجاز القرآن الكبير”؛ “الرسالة الشافية”؛ “دلائل الإعجاز”، “أسرار البلاغة”.

يلاحظ المشتغلون بعلم اللغة أن عبدالقاهر قد سبق في دلائل الإعجاز الكثير من الباحثين الغربيين بعدّة قرون في عديد من الأفكار؛ فقد سبق الفيلسوف الإنجليزي جون لوك في الإشارة إلى عملية الاتصال اللغوي، وسبق العالمين دي سوسير وأنطوان مييه في كثير من أصول التحليل اللغوي، وسبق العالم الألماني فنت في أصول مدرسته الرمزية، وسبق العالم الأمريكي تشومسكي في الكثير من أصول مدرسته التحويلية التوليدية. 

[11] دلائل الإعجاز ج1/ص121

[12] انظر المخصص 4 / 263. 

[13] انظر كتاب سيبويه 1 / 44. 

[14] جمال الدين ابن هشام (708 – 761 هـ = 1309 – 1360 م)، عبد الله بن يوسف بن أحمد بن عبد الله ابن يوسف، أبو محمد، جمال الدين، ابن هشام: من أئمة العربية، مولده ووفاته بمصر. قال ابن خلدون: “ما زلنا ونحن بالمغرب نسمع أنه ظهر بمصر عالم بالعربية يقال له ابن هشام أنحى من سيبويه”.

من تصانيفه: “مغني اللبيب عن كتب الأعاريب” و “عمدة الطالب في تحقيق تصريف ابن الحاجب” مجلدان، و “رفع الخصاصة عن قراء الخلاصة” أربع مجلدات، و “الجامع الصغير” نحو، و ” الجامع الكبير” نحو، و “شذور الذهب” و “قطر الندى” و “التذكرة” خمسة عشر جزءًا، و “التحصيل والتفصيل لكتاب التذييل” كبير، و “أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك” و “نزهة الطرف في علم الصرف” و “موقد الاذهان” في الألغاز النحوية. 

[15] انظر مغني اللبيب 2/156- 170. 

[16] سيبويه (148 – 180 هـ = 765 – 796 م)، عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي بالولاء، أبو بشر، الملقب بـ (سيبويه): إمام النحاة، وأول من بسط علم النحو، ولد في إحدى قرى شيراز، وقدم البصرة، فلزم الخليل بن أحمد ففاقه، وصنف كتابه المسمى ” كتاب سيبويه” في النحو، لم يصنع قبله ولا بعده مثله، ورحل إلى بغداد، فناظر الكسائي، وأجازه الرشيد بعشرة آلاف درهم، وعاد إلى الأهواز فتوفي بها، وقيل: وفاته وقبره بشيراز، وكانت في لسانه حبسة، توفي شابًّا. وفي مكان وفاته والسنة التي مات بها خلاف. 

[17] انظر الكتاب ج2/ص346.

[18] انظر الكتاب ج1/ ص592. 

[19] رواه الحاكم والبيهقي. 

……………………………………………………………

ظاهرة الحذف في النحو العربي

🔹 تعريف الحذف:
الحذف في النحو هو إسقاط لفظ أو أكثر من الكلام مع بقاء المعنى مفهوماً بقرينة. ويُستخدم الحذف في العربية لتحقيق الإيجاز، وتحسين الأسلوب، وتجنب التكرار، مع مراعاة السياق لضمان الفهم.

أسباب الحذف:

هناك عدة أسباب تدفع إلى استخدام الحذف في اللغة العربية، منها:

1️⃣ الاعتماد على القرينة: عندما يكون السياق كافياً لفهم المحذوف، كقوله تعالى:

فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم (النحل: 98)

  • أي: فإذا أردت قراءة القرآن

2️⃣ طلب الإيجاز: لتخفيف الكلام دون الإخلال بالمعنى، كما في الحديث:

المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده

  • والتقدير: المسلم الكامل من سلم المسلمون من لسانه ويده.

3️⃣ كراهة التكرار: عند تجنّب إعادة كلمة أو جملة معروفة من السياق، كما في الشعر:

أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب

  • حذف خبر “لا كذب”، أي: أنا النبي لا كذب في ادعائي النبوة.

4️⃣ التهويل أو التشويق: حيث يُترك جزء من الكلام ليستنتجه القارئ، كقوله تعالى:

والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالًا من الله (المائدة: 38)

  • حذف المفعول به لـ”نَكَالًا”، أي: جزاءً نكالًا من الله لهم.

أمثلة على الحذف في القرآن الكريم:

📌 حذف المبتدأ:

ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله (الزمر: 38)

  • والتقدير: الله خلقها.

📌 حذف الفعل:

ثم إذا شاء أنشره (عبس: 22)

  • والتقدير: ثم إذا شاء أن ينشره نشره.

📌 حذف المضاف:

واسأل القرية التي كنا فيها (يوسف: 82)

  • أي: واسأل أهل القرية.

📌 حذف جواب الشرط:

ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى…” (الرعد: 31)

  • والتقدير: لكان هذا القرآن.

أمثلة من الشعر العربي:

📌 حذف الخبر:

إنما المرء بأصغريه

  • والتقدير: إنما المرء يُعرف بأصغريه (عقله ولسانه)

📌 حذف الفعل:

إذا كانت النعماء في بيتِ فإني على كلِّ حالٍ شاكرٌ لك حامدُ

  • والتقدير: إذا كانت النعماء في بيتك ثابتة، فإني شاكر لك حامد.

الخلاصة:

الحذف ظاهرة لغوية مهمة تُستخدم لتحقيق الإيجاز، والتخفيف، وجمالية التعبير. وهو من أبرز خصائص اللغة العربية التي تجعلها لغة مرنة وقوية في التعبير عن المعاني بأقل عدد من الكلمات.

نظرية العامل في النحو العربي  :دراسات نحوية ماجستير د أيوب جرجيس العطية

إن نظرية العامل في النحو العربي مِن أعرق الموضوعات وأكثرها إثارة للجدل والمناظرة، ثمةَ  ثلاثة محاور أساسية، نعرضها على الشكل الآتي:

العامل، تعريفه اللغوي والاصطلاحي، وجذور ظهوره.

• أهم أنواع العوامل، المعنوية واللفظية.

موقف بعض القدماء والمحدَثين من النظرية.

جاء النحوُ، كما نعلم جميعًا، لضبط الكلام العربي، وحمايته من الزلل والخطأ واللحن، خاصة بعد دخول الأعاجم وغير العرب الإسلامَ؛ فحاول النحاةُ وضع قواعدَ وأسس صارمة له، وذلك انطلاقًا من القرآن الكريم، واستنادًا إلى ألسنة العرب الفحول، خاصة الأعراب منهم، وقد جعَلوا هذه القواعد مقياسًا ومعيارًا للحُكم على سلامة التراكيب العربية.

كما آمَن العربُ في هذا الصدد وفي جميع مجالات حياتهم، بأن لكل حادثٍ محدِثًا، ولكل سببٍ مسبِّبًا؛ فهم لم يأخذوا الأحكام النحوية كمسلَّمات، بل طرحوا العديد من الأسئلة؛ فما الذي يجعل الفاعل مرفوعًا، والمفاعيل منصوبة؟ ولماذا لا يمكننا مثلًا جزم الحال ورفع المفعول؟ لتتشكل هذه الأسئلة، في الأخير، ويظهر لنا ما يسمى في النحو العربي: بالعامل.

فما هو العامل؟

لغة:

يمكننا  أن نجمَع التعاريف اللغوية لمادة عمل بقولنا: إن العاملَ، ومنه العمل والتعمُّل، يراد به إحداثُ الفعل وإصداره، ويحمِل بين ثناياه الإتقان والإجادة والإصلاح، والعمل هو الأداء بتعقُّل ووعيٍ وإجادة.

اصطلاحًا:

أما العواملُ ـ باختصار ـ فهي التي تسبِّب الأحكامَ الإعرابية، من رفع ونصب وجرٍّ وجزم في الكلمة داخل تركيب جملي، يقول الجرجاني معرِّفًا العامل: “هو ما أوجَب كونَ آخرِ الكلمة مرفوعًا أو منصوبًا أو مجرورًا أو ساكنًا، نحو: جاء زيد، مررت بزيد، ثم رأيت زيدًا”.

ويمكننا تقريب هذا المصطلح أكثرَ بإيرادنا لمثال الدكتور عباس حسن، يقول فيه: “أكرم محمودٌ الضيفَ، فينسب إلى محمود أنه فعل الكرم، فهو فاعل الكرم، فبدلًا من أن نقول: ينسب إلى محمود أنه فعل شيئًا هو الكرم، أو: ينسب إلى محمود أنه فاعل الكرم، حذَفْنا هذه الكلماتِ الكثيرة، واستغنينا عنها برمز صغير يدل عليها، وهو “الضمة”، التي في آخر كلمة “محمود”.

إن أولَ نص وصلنا يتحدَّث عن علامات الإعراب والتغيير الذي يحدث فيها بسبب العوامل الداخلية هو قول سيبويه في “باب مجاري أواخر الكلم من العربية) :”وهي تجري على ثمانية مجارٍ: على النصب والجر والرفع والجزم، والفتح والضم والكسر والوقف، وهذه المجاري الثمانية يجمعها في اللفظ أربعةُ أضرُب: فالنصب والفتح في اللفظ ضرب واحد، والجر والكسر فيه ضرب واحد، وكذلك الرفع والضم والجزم والوقف، وإنما ذكرتُ لك ثمانية مجارٍ؛ لأفرِّقَ بين ما يدخله ضرب من هذه الأربعة لما يحدث فيه العامل – وليس شيء منها إلا وهو يزول عنه – وبين ما يُبنى الحرف بناءً لا يزول عنه لغير شيء أحدث ذلك فيه مِن العوامل التي لكل منها ضربٌ من اللفظ في الحرف، وذلك الحرف حرف إعراب).

• وفيما يتعلق بنشأة العامل، فيمكننا الاقتصار على قول الزبيدي في طبقاته: “فكان أولَ مَن أصَّل لذلك وأعمل فكره فيه أبو الأسودِ ظالم بن عمرو الدؤلي، ونصر بن عاصم، وعبدالرحمن بن هرمز؛ فوضعوا للنحو أبوابًا، وأصَّلوا له أصولًا؛ فذكروا عوامل الرفع والنصب، والخفض والجزم، ووصفوا باب الفاعل والمفعول، والتعجُّب والمضاف”.

أنواع العوامل:

أجمَع النحاةُ العرب على أن العوامل نوعان؛ لفظية ومعنوية، وقد تحدث ابن جني في كتابه الخصائص الجزء الأول ص 109 عن هذا الأمر بقوله: “وإنما قال النَّحْويون: عامل لفظي، وعامل معنوي؛ ليُروك أن بعض العمل يأتي عاريًا من مصاحبة لفظ يتعلق به؛ كرفع المبتدأ بالابتداء، ورفع الفعل؛ لوقوعِه موقع الاسم”.

ومعنى ذلك: أن الفرقَ بين العامل اللفظي والمعنوي أن الأول منطوق، أو هو ما كان للسان فيه حظٌّ، على حد تعريف الجرجاني في كتابه التعريفات، والثاني يظل معنى خاصًّا، متى وقع بعده لفظ اعتُبِر معمولًا به، وهو مدرك بالقلب.

وقد انقَسم النحاةُ في أخذهم بهذينِ النوعين إلى ثلاث فئات:

1- فبعضهم يقرُّ بوجود العامل المعنوي إلى جانب اللفظي، مع اختلافٍ في تعدُّد العوامل.

2- وبعضهم لا يرى في العامل المعنوي شيئًا عاديًّا مستساغًا؛ فلذلك يعجَب مِن أن يكون العامل معنًى تجريديًّا، وهو مع ذلك يقدِر على إحداثِ حركات ملموسة.

3- والفِرقة الأخيرة لا ترى في التعبير بالعامل اللفظي إلا توسُّعًا في الإطلاق، وتنوُّعًا في التعبير، وإلا فإن العاملَ اللفظي معنوي في محتواه وحقيقته، ولنا وقفةٌ مع آراء الباحثين في نظرية العامل في المحور الأخير – بإذن الله.

العوامل اللفظية:

مِن المعلوم أن أغلبَ النحاة ذهبوا إلى قوة العامل اللفظي مقارنةً بنظيره المعنوي؛ فالعامل اللفظي هو ما كان للسان فيه حظ، بمعنى أنه يُنطَق ويكتب؛ كالفعل ذهب في قولنا: ذهب زيد؛ فالذي أعمل الرفع في الفاعل زيد هو الفعل قبله، وهو أيضًا الألفاظ المؤثرة فيما بعدها، وهو الأصل في الإعمال؛ فالفعل يعمل الرفع في الفاعل، أما نصبه للمفعول فهو محل خلاف، ومنه كذلك كان وأخواتها، وإن وأخواتها، وظننت وأخواتها، وحروف الجر والنصب والجزم.

وبتفصيل أكثر مثلًا إذا أخذنا حرف الجر، فهو عامل يجعل الاسم المجرور مجرورًا، بمعنى أنه إن لم يوجد هذا الحرفُ لم يوجد الجرُّ.

والعوامل اللفظية عند الفريقين الكوفة والبصرة ثلاثة أنواع: أسماء، وأفعال، وحروف.

وقد قسم عبدالقاهر الجُرجاني العوامل اللفظية إلى قسمين، وهما:

• سماعية: وهي ما سُمعت عن العرب، ولا يقاس عليها غيرها؛ كحروف الجر، والحروف المشبَّهة بالفعل، مثلًا الباء وأخواتها تجر الاسم، فليس لنا أن نتجاوزها ونقيس عليها غيرها.

وأمثلة ذلك: حروف الجرِّ تجر الاسم فقط، وهي 7: من إلى في...

• حروف تنصب الاسم، وترفع الخبر، وهي 6: إن كأن لكن..

• حروف تنصب الفعل المضارع: أنْ لن كي إذن..

• قياسية: ما سُمعت عن العرب، ويقاس عليها غيرها، وتفسير هذا المعنى أنه سُمعت له أمثلة مطَّردة وصَلَت إلى حد بناء قاعدة كلية في ذلك النوع من العوامل؛ فكلُّ ما يصدُقُ عليه تلك القاعدة يطلق عليه اسم العامل اللفظي القياسي، وهي سبعة أنواع: الفعل على الإطلاق، اسم الفاعل، اسم المفعول، الصفة المشبَّهة، المصدر، الاسم المضاف، الاسم التام.

العوامل المعنوية: وهي التي تدرك بالعقل دون أن يلفظ به، وتقع علامتها الإعرابية، ولكنها لا توجد في الكلام، ولا تكتب، وإنما قالوا: عاملٌ معنوي؛ لأنهم لم يجدوا شيئًا يعلِّل علامته الإعرابية.

اقتصَر الجرجاني على عاملين اثنينِ، وهما عامل الرفع في المضارع، وعامل الرفع في المبتدأ والخبر، وعند صاحب الأشباه والنظائر ستة عوامل، وهكذا دواليك.

وإجمالًا يمكن الاقتصار على أهم العوامل المقول بها عند سيبويه وجمهور البَصريين، وهذه العوامل محصورة في موضعين:

• الابتداء: وهو الذي يرفع المبتدأ، والابتداء – حسَب أقوال النحاة – يمكن أن يستخلص منه ما يلي:

1- الأولية: وقوع الاسم في أول الكلام.

2- التعرية: تجرد المبتدأ من العوامل اللفظية.

3- الإسناد: العلاقة المعنوية الرابطة بين المبتدأ والخبر.

ويقصد بأن الابتداء أصل الرفع في المبتدأ؛ لأن المبتدأَ هو الأول في الأسماء، وكان الأصل في الأسماء هو الرفع، والمبتدأ معرًّى من العوامل اللفظية، فبهذا فإن المبتدأ يبقى على أصله من الرفع.

• وقوع الفعل المضارع موقع الاسم: يُعرَب الفعل المضارع في هذه الحالة؛ لمضارعته الاسم؛ بمعنى مشابهته له؛ فالفعل المضارع يشبه الاسم في إبهامه وتخصيصه، زيد يقوم؛ فالفعل “يقوم” يصلح لزماني الحال والاستقبال، وإذا أدخلت عليه السين فسنخلص إلى الاستقبال، والأمر نفسه عند الاسم: رجل؛ فهو يصلح لجميع الرجال، لكن إذا عرَّفناه بـ: “أل” فإننا نخصِّصه.

وعامل الرفع في الفعل المضارع هو وقوعه موقع الاسم، بمعنى وقوعه حيث يصح وقوع الاسم، ويمكننا أن نقول: يضرب زيد، فنرفع الفعل، ثم نقول: أخوك زيد.

أما عند الكوفيين فهناك عوامل معنوية عديدة، أشهرها:

1- الصرف أو الخلاف: هو مصطلح كوفي محض، معناه أن يكون في التركيب اللُّغوي الواحد ما يوحي باشتراك شيئين أو أكثر في حُكم واحد، لكن المتكلم لا يريد ذلك، كما في المثال المشهور: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، فلقصد النهي عن الجمع بينهما، وقولنا: لا تتكلم وتأكل، فلا نريد نهي المخاطب عن الأكل والتكلم في جميع الحالات، بل نريدُ أن ننهاه عن الجمعِ بينهما.

2- رافع المبتدأ: فهو أشهر خلاف في هذه العوامل؛ فالمعلوم أن الكوفيين يقولون: إن المبتدأ والخبر يترافعان، أما البصريون فيقرون أن المبتدأ مرفوع بالابتداء، وسيبويه أول مَن تطرق له، ثم هم يختلفون في مدلوله.

3- رافع الفاعل: الشائع في هذا الباب أن العامل مرفوع بعامل لفظي، هو الفعل، لكنَّ خلَفًا الأحمر ذهب إلى أن الفاعل مرفوع بالفاعلية، مفسرًا بذلك أنه عبارة عن الإسناد، أو شبه المبتدأ.

4- عامل المفعول: نفس الأمر مع هذا الخلاف؛ فمعظم النحاة يرون أن المفعول منصوب بالفعل، أو بالفعل والفاعل معًا، أما خلف الأحمر فأكد أنه منصوب بالمفعولية، وقد اندثر هذا الرأي.

هناك عوامل متعددة لا يمكننا الوقوف عندها؛ لضيق الوقت؛ كالتبعية، ناصب المستثنى، جر المضاف إليه، التوهم، الإهمال، المجاورة، نزع الخافض، القصد إليه.

هذه إذًا مجملُ العوامل المعنوية التي قيل بها في النحو العربي، فجاءت موزَّعة على أبوابٍ متعددة، ولعل الباحث في المصادر العربية يمكن أن يستخلص مجموعة من العوامل الأخرى، خاصة إذا ما بحث في المدارس التي كانت تحت الظل لفترات طويلة؛ كالمدرسة المغربية التي كانت لها إسهامات وتجديدات ذات اعتبار.

نظرية العامل النحوي بين القبول والرفض:

قد سبق أن تطرَّقنا في موضع من مواضع هذا العرض المتواضع، إلى تجذُّر نظرية العامل في النحو العربي؛ فقد عمَد أغلب النحاة بالاستناد والاحتجاج إلى نظرية العامل مِن أجل تأكيد حقيقة نحوية ما.

غير أن هذا لم يمنع مِن استهداف هذه النظرية والرد عليها، سواء بالإيجاب، أو بالسلب والرفض.

فقد كانت هناك دعاوى كثيرة للرد على نظرية العامل، فبعض الباحثين اعتبروا ابن جني ثائرًا عليها، وكذلك الأمر بالنسبة للفراء، في حين عد البعض أن الجرجاني جاء بنظرية النظم بدلًا عن نظرية العامل، وتجمِع الدراسات على أن ابن مضاء القرطبي كان الصوت الجهوري ضد العامل، أما في العصر الحديث فنجد ثلة من الباحثين، منهم: الأستاذ إبراهيم مصطفى، تمام حسان، مهدي المخزومي، شوقي ضيف، محمد عيد، أنيس فريحة، محمد الكسار.

• الفراء:

د.أحمد مكي الأنصاري أن أبا زكريا يحيى بن زياد الفراء هو أول الثائرين على نظرية العامل، وهو مَن ألهم الدعوة عند ابن مضاء، يقول الأنصاري: “ومردُّ الفضل في هذا إلى شيخ المجدِّدين أبي زكرياء يحيى بن زياد الفراء؛ فقد رأيناه يُلغي الأفعال والنواسخ، ويدمج باب كان وأخواتها في باب الفعل العام؛ لأن كان فعل، وليس يُهمنا أن يكون تامًّا أو ناقصًا.. أما المنصوب فنعربه حالًا ..”، وعن تأثُّر ابن مضاء بالفراء فيقول: “وبعد، فلستُ أشك في أن ابن مضاء انتفع بآراء الفراء أكبر انتفاع، ويخيل إليَّ أنني لو تتبعتُ بقيةَ آراء ابن مضاء في كتابه، لرددتُ معظمها إلى منبعها الأصيل، هو أبو زكرياء الفراء”.

محاولة ابن مضاء القرطبي: تتركز محاولته أساسًا في كتابه “الرد على النحاة”، وقد حاول إلغاء نظرية العامل إلغاءً تامًّا، بقوله بصريح العبارة: “قصدي في هذا الكتاب أن أحذفَ مِن النحو ما يستغني النحويُّ عنه، وأنبه على ما أجمعوا على الخطأ فيه.. فمِن ذلك ادعاؤهم أن النصب والجزم والخفض لا يكون إلا بالعامل اللفظي، وأن الرفع منها يكون بالعامل المعنوي.”

• ومِن الحُجج التي اعتمدها القرطبي لدحض نظرية العامل:

1- أن العامل يؤدي إلى تغيير في كلام العرب، وحطه عن رتبة البلاغة؛ لأنها تدفَع النَّحْويين إلى تقديرات لا يحتاج إليها الكلام، بل هو تام؛ فمثلًا تقديرهم لمتعلقات للمجرور، نحو: زيد في الدار؛ فالنحاةُ يرون أن “في الدار” متعلِّقٌ بجملة: إن زيدًا مستقر في الدار، وهي محذوفة.

• العامل إما أن يعمل بالإرادة؛ كالإنسان والحيوان، وإما بالطبع؛ كالنار والماء، والعامل لا يعمل بالإرادة ولا بالطبع.

2- محاولة د. إبراهيم مصطفى: يرى إبراهيم أن للإعراب حركتين فقط، هما الضمة والكسرة؛ فالأولى هي علم الإسناد، والدليل على ذلك أن جميعَ الكلمات المرفوعة يراد بها الإسناد، أما الكسرة فهي علم الإضافة.

والفتحة عنده حركة خفيفة مستحبة عند العرب، يراد بها إنهاء الكلمة، كما هو الحال عند السكون.

3- محاولة د. تمام حسان: يرفض العامل، ويرى أنه لا عامل في النحو العربي برمَّته؛ فالفاعل مرفوع مثلًا؛ لأن العُرف ربط بين فكرتي الفاعلية والرفع، وقد حاول التنظيرَ لنظرية جديدة تخللها عدة أخطاء – بحسَب الباحثين.

خاتمة:

      فسر النحويون التغيرات التي تطرأ على أواخر الكلمات العربية بنظرية سميت ( نظرية العامل) ، مضمونها : أن هذا التغير حدث بسبب عامل هو الذي أوجد هذا التغير ، وكلما اختلف العامل اختلف الإعراب ، فالعامل هو ما يؤثر في اللفظة تأثيراً ينشأ عنه علامة إعرابية ترمز إلى معنى خاص . ولتفسير ذلك نقول :

جاء زيدٌ ، رأيت زيداً ، مررت بزيدٍ ؛ فكلمة ( زيدٌ ) آخره يتغير تارة يكون مرفوعاً وأخرى منصوباً وثالثة مجروراً ، فلا بد من وجود سبب(عامل) اقتضى أن يكون الاسم مرفوعاً في الجملة الأولى ، ثم منصوباً في الثانية ، ثم مجروراً في الثالثة . ففي الجملة الأولى نلحظ أن دلالة الفعل ( جاء) تستدعي فاعلاً يقوم بفعل ( المجيء) فجاءت كلمة ( زيدٌ ) لتحمل هذه الدلالة فأعطيت الضمة ، فالضمة أثر حصل بسبب الفعل ( جاء) ؛ لأنّ معنى الفعل هو الذي اقتضى أن يكون زيدٌ فاعلاً مرفوعاً ، فزيدٌ معمول ، والفعل جاء عاملا . وفي الجملة الثانية الفعل(  رأيت ) دلالته تقتضي فاعلا يقوم بالرؤية ومفعولاً تقع عليه الرؤية ، فقامت ( تاء) الفاعل بالفاعلية ، فبقيت كلمة زيد مفعولاً به ، فالفعل رأى هو العامل الذي نصب ( زيداً) . والعوامل هي:

ـ لفظية ، تشمل :

1ـ الفعل كما وضحنا .

2ـ الحرف ، فقولنا مررت بزيد ، زيد مجرور والعامل هو حرف الجر ( الباء)

3ـ الأسماء التي تشابه الفعل بشروط معينة ، نحو اسم الفاعل ، واسم المفعول ، والصفة المشبهة، والمصدر فهي تعمل عمل الفعل أحياناً نحو : محمدٌ قارئٌ الكتابَ ، فالكتاب منصوب والعامل هو اسم الفاعل ( قارئ) .

ـ عوامل معنوية : كالعامل في المبتدأ وهو الابتداء ، نحو : محمدٌ قائم ، فـ(محمد) مرفوع لأنه ابتدئ به الكلام ، وكالفعل المضارع المرفوع ( يكتب محمد الدرس) فـ ( يكتب) مرفوع لأنه لم يسبق بناصب ولا جازم وهذا عامل معنوي .

فوائد الإعراب :

اللغة العربية هي اللغة الوحيدة في العالم معربة ، أي في أواخر كلماتها رموز تبين وظائف الكلمات في التركيب ، والإعراب يحقق الفوائد الآتية

أـ الإبانة والإيضاح ولتوضيح ذلك نضرب هذا المثال :

اكرم الناس زيد ،

 فهذه الكلمات من دون الإعراب تتحمل معاني كثيرة ، والإعراب هو الذي يحدد المعنى ويكشف المراد ، فيمكن أن يكون المعنى : أكرمَ الناسُ زيداَ ، أو أكرمَ الناسَ زيد، فيكون مكرم للناس ، أو أكرمُ الناسِ زيدٌ فيكون المعنى تفضيل زيد على الناس في صفة الكرم ، أو اكرمِ الناسَ زيدُ فيكون زيد منادى ومأمور بإكرام الناس .

2ـ السعة في التعبير ، العلامات الإعرابية تمنح المتكلم القدرة على التفنن في مواقع الكلمات فيقدم ويؤخر من دون إحداث لبس ، نحو ضرب محمد زيداً

ضرب زيداً محمدُ ، محمدُ ضرب زيداً ، زيداً ضرب محمد . فالإعراب هو الذي امكننا من التقديم والتأخير ولولاه لما استطعنا ذلك .

3ـ الدقة في المعنى : العلامات الإعرابية تحررنا من قيد الموقع للوظيفة النحوية وبذلك نستطيع أداء معاني دقيقة بالتقديم والتأخير مثلا : أعطى زيد محمداً كتاباً . نستطيع أن نقدم ونؤخر في هذه الجملة مولدين بذلك معاني دقيقة ، والذي مكننا من التقديم هو الإعراب .

العلامة الإعرابية ، والحالة الإعرابية ، والموقع الإعرابي :

لتوضيح هذه المصطلحات نضرب المثال الآتي : قام زيدٌ ، نجد في آخر كلمة زيد ضمة وهذه الضمة رمز دال على حالة إعراب الاسم وهي الرفع ، فالضمة علامة إعرابية تدل على الحالة الإعرابية ( الرفع) ، ومن خلال معرفة الحالة والمعنى الذي يؤديه الاسم ( زيد) في الجملة نعرف (الموقع الإعرابي أو الوظيفة النحوية ) وكلمة زيد هنا ( فاعل) .

وفي قولنا : رأيت زيداً ، ( زيداً ) الفتحة فيه تدل على حالة النصب ، وبدلالة حالة النصب ، وسياق الجملة نعرف وظيفة زيد ، وهي المفعولية وهكذا .

فالعلامة الإعرابية : رمز دال على الحالة الإعرابية تختلف باختلاف المبنى الصرفي للكلمة ، فلكل حالة أكثر من علامة يحددها المبنى الصرفي للكلمة ، فجمع المذكر السالم علامة رفعه الواو والمثنى الألف ، وهكذا .

أما الحالة الإعرابية : فهو أمر ذهني اعتباري ، وهي : الرفع والنصب للاسم والفعل المضارع ، والجر خاصة بالاسم ، والجزم خاصة بالفعل المضارع

أما الوظيفة النحوية ( الموقع الإعرابي) فهي ما تؤديه الكلمة من دلالة نحوية في الجملة كالفاعلية والمفعولية والخبر والحال .. الخ

ولما كانت الوظائف كثيرة والحالات قليلة اجتمعت تحت كل حالة إعرابية مجموعة من الوظائف النحوية ، فالمرفوعات : المبتدأ والخبر والفاعل ونائب الفاعل واسم كان وخبر إن و..

والمنصوبات : المفعولات والحال والتمييز والمستثنى ،…

الحالات الإعرابية

ـ الرفع ، علاماتها الضمة نحو قام محمدٌ

ـ الواو نحو قام المعلمون ، وقام أخوك

ـ الألف نحو قام المعلمان

النصب ، علاماتها

ـ الفتحة : نحو رأيت محمداً

ـ الكسرة : نحو رأيت المعلماتِ

ـ الألف ، نحو رأيت أباك

ـ الياء ، نحو : رأيت المعلمَينِ ، ورأيت المعلمِينَ .

الجر :

ـ الكسرة : مررت بمحمدٍ

ـ الفتحة : مررت بأحمدَ

ـ الياء : مررت بالمعلمَينِ ، ومررت بالمعلِمينَ .

الجزم :

السكون : لم يكتبْ

حذف النون : لم يكتبوا

ـ حذف حرف العلة ، نحو : لم يدْعُ .

نلاحظ أن بعض العلامات الإعرابية تكون لأكثر من حالة كالفتحة علامة للنصب وللجر في الممنوع من الصرف ، والألف : علامة لرفع المثنى ، وللنصب في الأسماء الستة ، والياء علامة للنصب والجر في جمع المذكر السالم والمثنى ، والكسرة علامة للجر ، وللنصب في جمع المؤنث السالم .

والله ولي التوفيق.

محاضرات صوتيّة: